الشيخ ناصر مكارم الشيرازي
15
الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل
على أنفسهم بما ارتكبوه من فظيع الفعال ، وما اقترفوه من شنيع الأعمال إذ قالت : " أظننت يا يزيد . . . أن بنا على الله هوانا ، وبك عليه كرامة ، وأن ذلك لعظم خطرك عنده ؟ فشمخت بأنفك ، ونظرت في عطفك ، جذلان مسرورا ، حين رأيت الدنيا لك مستوثقة والأمور متسقة ، وحين صفا لك ملكنا وسلطاننا ، فمهلا مهلا أنسيت قول الله عز وجل : ولا يحسبن الذين كفروا أنما نملي لهم خير لأنفسهم إنما نملي لهم ليزدادوا إثما ولهم عذاب مهين " . 3 جواب على سؤال : إن الآية الحاضرة تجيب ضمنا على سؤال يخالج أذهان كثير من الناس وهو : لماذا يرفل بعض العصاة والمجرمين في مثل هذا النعيم ، ولا يلقون جزاءهم العادل على إجرامهم ؟ فإن القرآن الكريم يرد على هذا التساؤل الشائع قائلا : إن هؤلاء فقدوا كل قابلية للتغيير والإصلاح ، وهم بالتالي من الذين تقتضي سنة الخلق ومبدأ حرية الإنسان واختياره أن يتركوا لشأنهم ، ويوكلوا إلى أنفسهم ليصلوا إلى مرحلة السقوط الكامل ، ويستحقوا الحد الأكثر من العذاب والعقوبة . هذا مضافا إلى ما يستفاد من بعض الآيات القرآنية من أنه سبحانه قد يمد البعض بالنعم الوافرة وهو بذلك يستدرجهم ، أي أنه يأخذهم فجأة وهم في ذروة التنعم ، ويسلبهم كل شئ وهم في أوج اللذة والتمتع ، ليكونوا بذلك أشقى من كل شقي ، ويواجهوا في هذه الدنيا أكبر قدر ممكن من العذاب ، لأن فقدان هذا النعيم أشد وقعا على النفس ، وأكثر مرارة كما نقرأ في الكتاب العزيز : فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شئ حتى إذا فرحوا بما أوتوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون ( 1 ) .
--> 1 - الأنعام ، 44 .